فصل: باب مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلاَةِ وَمَا يُفْتَتَحُ بِهِ وَيُخْتَمُ بِهِ وَصِفَةَ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ وَالاِعْتِدَالِ مِنْهُ وَالتَّشَهُّدِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَصِفَةَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ:

738- قَوْله: (قَالَ أَبُو بَكْر حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان) هَذَا مِنْ وَرَع مُسْلِم وَبَاهِر عِلْمه لِأَنَّ فِي رِوَايَة اِثْنَيْنِ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن سُحَيْم، وَسُفْيَان مَعْرُوف بِالتَّدْلِيسِ. وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر عَنْ سُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان فَنَبَّهَ مُسْلِم عَلَى اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي عِبَارَة سُفْيَان.
قَوْله: (كَشَفَ السِّتَارَة) هِيَ بِكَسْرِ السِّين وَهِيَ السِّتْر الَّذِي يَكُون عَلَى بَاب الْبَيْت وَالدَّار.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُهِيت أَنْ أَقْرَأ الْقُرْآن رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبّ وَأَمَّا السُّجُود فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاء فَقَمَن أَنْ يُسْتَجَاب لَكُمْ» وَفِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «نَهَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» فيه النَّهْي عَنْ قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَإِنَّمَا وَظِيفَة الرُّكُوع التَّسْبِيح، وَوَظِيفَة السُّجُود التَّسْبِيح وَالدُّعَاء، فَلَوْ قَرَأَ فِي رُكُوع أَوْ سُجُود غَيْر الْفَاتِحَة كَرِهَ وَلَمْ تَبْطُل صَلَاته، وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَة فَفيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهمَا أَنَّهُ كَغَيْرِ الْفَاتِحَة فَيُكْرَه وَلَا تَبْطُل صَلَاته، وَالثَّانِي يَحْرُم وَتَبْطُل صَلَاته، هَذَا إِذَا كَانَ عَمْدًا، فَإِنْ قَرَأَ سَهْوًا لَمْ يُكْرَه، وَسَوَاء عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يَسْجُد لِلسَّهْوِ عِنْد الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَمَّا الرُّكُوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبّ» أَيْ سَبِّحُوهُ وَنَزِّهُوهُ وَمَجِّدُوهُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم بَعْد هَذَا الْأَذْكَار الَّتِي تُقَال فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء أَنْ يَقُول فِي رُكُوعه: سُبْحَان رَبِّيَ الْعَظِيم، وَفِي سُجُوده: سُبْحَان رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَيُكَرِّر كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا ثَلَاث مَرَّات، وَيَضُمّ إِلَيْهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا: اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت... إِلَى آخِره. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبّ الْجَمْع بَيْنهمَا لِغَيْرِ الْإِمَام، وَلِلْإِمَامِ الَّذِي يَعْلَم أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيل، فَإِنْ شَكَّ لَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْبِيح، وَلَوْ اِقْتَصَرَ الْإِمَام وَالْمُنْفَرِد عَلَى تَسْبِيحَة وَاحِدَة فَقَالَ: سُبْحَان اللَّه حَصَّلَ أَصْل سُنَّة التَّسْبِيح، لَكِنْ تَرَكَ كَمَالهَا وَأَفْضَلهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود سُنَّة غَيْر وَاجِب هَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَالْجُمْهُور، وَأَوْجَبَهُ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَطَائِفَة مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث لِظَاهِرِ الْحَدِيث فِي الْأَمْر بِهِ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهُوَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ، وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْمُسِيء صَلَاته فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهُ بِهِ، وَلَوْ وَجَبَ لَأَمَرَهُ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَمْ يَأْمُرهُ بِالنِّيَّةِ وَالتَّشَهُّد وَالسَّلَام فَقَدْ سَبَقَ جَوَابه عَنْ شَرْحه. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقَمَن» هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَفَتْح الْمِيم وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَمَنْ فَتَحَ فَهُوَ عِنْده مَصْدَر لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع، وَمَنْ كَسَرَ فَهُوَ وَصْف يُثَنَّى وَيُجْمَع وَفيه لُغَة ثَالِثَة (قَمِين) بِزِيَادَةِ يَاء وَفَتْح الْقَاف وَكَسْر الْمِيم، وَمَعْنَاهُ حَقِيق وَجَدِير. وَفيه الْحَثّ عَلَى الدُّعَاء فِي السُّجُود فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَجْمَع فِي سُجُوده بَيْن الدُّعَاء وَالتَّسْبِيح وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيث فيه.
قَوْله: «وَرَأْسه مَعْصُوب» فيه عَصْب الرَّأْس عِنْد وَجَعه.
741- قَوْله: (عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح النُّون قَوْله: (نَهَانِي وَلَا أَقُول نَهَاكُمْ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّفْظ الَّذِي سَمِعْته بِصِيغَةِ الْخِطَاب لِي فَأَنَا أَنْقُلهُ كَمَا سَمِعْته وَإِنْ كَانَ الْحُكْم يَتَنَاوَل النَّاس كُلّهمْ. ذَكَرَ الِاخْتِلَاف عَلَى إِبْرَاهِيم بْن حُنَيْنٍ فِي ذِكْر اِبْن عَبَّاس بَيْن عَلِيّ وَعَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَنْ أَسْقَطَ اِبْن عَبَّاس أَكْثَر وَأَحْفَظ. قُلْت: وَهَذَا اِخْتِلَاف لَا يُؤْثِر فِي صِحَّة الْحَدِيث، فَقَدْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عَلِيّ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيّ نَفْسه، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَائِل هَذَا الشَّرْح مَبْسُوطَة.
742- قَوْله: (نَهَانِي حِبِّي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء وَالْبَاء أَيْ مَحْبُوبِي.

.باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ:

744- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد فَأَكْثِرُوا الدُّعَاء» مَعْنَاهُ أَقْرَب مَا يَكُون مِنْ رَحْمَة رَبّه وَفَضْله. وَفيه الْحَثّ عَلَى الدُّعَاء فِي السُّجُود. وَفيه دَلِيل لِمَنْ يَقُول إِنَّ السُّجُود أَفْضَل مِنْ الْقِيَام وَسَائِر أَرْكَان الصَّلَاة، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة مَذَاهِب:
أَحَدهَا أَنَّ تَطْوِيل السُّجُود وَتَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود أَفْضَل، حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَغَوِيّ عَنْ جَمَاعَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ تَطْوِيل السُّجُود اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْمَذْهَب الثَّانِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَجَمَاعَة أَنَّ تَطْوِيل الْقِيَام أَفْضَل لِحَدِيثِ جَابِر فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَفْضَل الصَّلَاة طُول الْقُنُوت». وَالْمُرَاد بِالْقُنُوتِ الْقِيَام، وَلِأَنَّ ذِكْر الْقِيَام الْقِرَاءَة، وَذِكْر السُّجُود التَّسْبِيح، وَالْقِرَاءَة أَفْضَل، لِأَنَّ الْمَنْقُول عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُطَوِّل الْقِيَام أَكْثَر مِنْ تَطْوِيل السُّجُود، وَالْمَذْهَب الثَّالِث أَنَّهُمَا سَوَاء وَتَوَقَّفَ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَة وَلَمْ يَقْضِ فيها بِشَيْءٍ، وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ: أَمَّا فِي النَّهَار فَتَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود أَفْضَل، وَأَمَّا فِي اللَّيْل فَتَطْوِيل الْقِيَام إِلَّا أَنْ يَكُون لِلرَّجُلِ جُزْء بِاللَّيْلِ يَأْتِي عَلَيْهِ فَتَكْثِير الرُّكُوع وَالسُّجُود أَفْضَل؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأ جُزْأَهُ، وَيَرْبَح كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا قَالَ إِسْحَاق هَذَا لِأَنَّهُمْ وَصَفُوا صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ بِطُولِ الْقِيَام، وَثُمَّ يُوصَف مِنْ تَطْوِيله بِالنَّهَارِ مَا وُصِفَ غبِاللَّيْلِ وَاَللَّه أَعْلَم.
745- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلّه دِقّه وَجِلّه» هُوَ بِكَسْرِ أَوَّلهمَا أَيْ قَلِيله وَكَثِيره، وَفيه تَوْكِيد الدُّعَاء وَتَكْثِير أَلْفَاظه، وَإِنْ أَغْنَى بَعْضهَا عَنْ بَعْض.
746- قَوْلهَا: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر أَنْ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده: سُبْحَانك اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي يَتَأَوَّل الْقُرْآن» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «أَسْتَغْفِرك وَأَتُوب إِلَيْك» مَعْنَى يَتَأَوَّل الْقُرْآن يَعْمَل مَا أُمِرَ بِهِ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول هَذَا الْكَلَام الْبَدِيع فِي الْجَزَالَة الْمُسْتَوْفِي مَا أَمَرَ بِهِ فِي الْآيَة، وَكَانَ يَأْتِي بِهِ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود لِأَنَّ حَالَة الصَّلَاة أَفْضَل مِنْ غَيْرهَا، فَكَانَ يَخْتَارهَا لِأَدَاءِ هَذَا الْوَاجِب الَّذِي أُمِرَ بِهِ لِيَكُونَ أَكْمَل: قَالَ أَهْل اللُّغَة الْعَرَبِيَّة وَغَيْرهمْ: التَّسْبِيح التَّنْزِيه، وَقَوْلهمْ: سُبْحَان اللَّه مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر، يُقَال: سَبَّحْت اللَّه تَسْبِيحًا وَسُبْحَانًا، فَسُبْحَان اللَّه مَعْنَاهُ بَرَاءَة وَتَنْزِيهًا لَهُ مِنْ كُلّ نَقْص وَصِفَة لِلْمُحَدِّثِ. قَالُوا: وَقَوْله: وَبِحَمْدِك أَيْ وَبِحَمْدِك سَبَّحْتُك، وَمَعْنَاهُ بِتَوْفِيقِك لِي وَهِدَايَتك وَفَضْلك عَلَيَّ سَبَّحْتُك لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي. فَفيه شُكْر اللَّه تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة وَالِاعْتِرَاف بِهَا وَالتَّفْوِيض إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَأَنَّ كُلّ الْأَفْعَال لَهُ وَاَللَّه أَعْلَم.
747- وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْتَغْفِرك وَأَتُوب إِلَيْك» حُجَّة أَنَّهُ يَجُوز بَلْ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقُول: أَسْتَغْفِرك وَأَتُوب إِلَيْك، وَحُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف كَرَاهَته لِئَلَّا يَكُون كَاذِبًا قَالَ: بَلْ يَقُول اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ قَوْله اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ حَسَن لَا شَكَّ فيه، وَأَمَّا كَرَاهَة قَوْله: أَسْتَغْفِر اللَّه وَأَتُوب إِلَيْهِ فَلَا يُوَافِق عَلَيْهَا.
وَقَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَة بِدَلَائِلِهَا فِي بَاب الِاسْتِغْفَار مِنْ كِتَاب الْأَذْكَار وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا اِسْتِغْفَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلّه» مَعَ أَنَّهُ مَغْفُور لَهُ فَهُوَ مِنْ بَاب الْعُبُودِيَّة وَالْإِذْعَان وَالِافْتِقَار إِلَى اللَّه تَعَالَى. وَاَللَّه أَعْلَم.
748- قَوْله: (عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح) وَهُوَ بِضَمِّ الصَّاد وَهُوَ أَبُو الضُّحَى الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى.
750- قَوْلهَا: (فَتَحَسَّسَتْ) هُوَ بِالْحَاءِ.
وَقَوْلهَا (اِفْتَقَدْت) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (فَقَدْت) هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
751- قَوْله: (مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حَبَّان) بِفَتْحِ الْحَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة.
قَوْلهَا: (فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى بَطْن قَدَمه وَهُوَ فِي الْمَسْجِد وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُول لَمْس الْمَرْأَة لَا يَنْقُض الْوُضُوء، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَآخَرِينَ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَالْأَكْثَرُونَ: يَنْقُض وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ الْمَلْمُوس لَا يُنْتَقَض عَلَى قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَغَيْره، وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ يُنْتَقَض وَهُوَ الرَّاجِح عِنْد أَصْحَابنَا يُحْمَل هَذَا اللَّمْس عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَوْق حَائِل فَلَا يَضُرّ. وَقَوْلهَا: (وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ) فيه أَنَّ السُّنَّة نَصْبهمَا فِي السُّجُود.
وَقَوْلهَا: «وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِرِضَاك مِنْ سَخَطك. وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتك، وَأَعُوذ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسك» قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنَى لَطِيف؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اِسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطه، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَته، وَالرِّضَاء وَالسَّخَط ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاة وَالْعُقُوبَة فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْر مَا لَا ضِدّ لَهُ وَهُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْر، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار مِنْ التَّقْصِير فِي بُلُوغ الْوَاجِب مِنْ حَقِّ عِبَادَته وَالثَّنَاء عَلَيْهِ. وَقَوْله: لَا أُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك أَيْ لَا أُطِيقهُ وَلَا آتِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا أُحِيط بِهِ، وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: مَعْنَاهُ لَا أُحْصِي نِعْمَتك وَإِحْسَانك وَالثَّنَاء بِهَا عَلَيْك وَإِنْ اِجْتَهَدْت فِي الثَّنَاء عَلَيْك. وَقَوْله: «أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسك» اِعْتِرَاف بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيل الثَّنَاء، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى بُلُوغ حَقِيقَته، وَرَدّ لِلثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَة دُون التَّفْصِيل وَالْإِحْصَار وَالتَّعْيِين، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْمُحِيط بِكُلِّ شَيْء جُمْلَة وَتَفْصِيلًا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَة لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَة لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّنَاء تَابِع لِلْمَثْنَى عَلَيْهِ، وَكُلّ ثَنَاء أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فيه فَقَدَرُ اللَّه أَعْظَم، وَسُلْطَانه أَعَزّ، وَصِفَاته أَكْبَر وَأَكْثَر، وَفَضْله وَإِحْسَانه أَوْسَع وَأَسْبَغ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة فِي جَوَاز إِضَافَة الشَّرّ إِلَى اللَّه تَعَالَى كَمَا يُضَاف إِلَيْهِ الْخَيْر لِقَوْلِهِ: أَعُوذ بِك مِنْ سَخَطك وَمِنْ عُقُوبَتك وَاَللَّه أَعْلَم.
752- قَوْله: (عَنْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير) هُوَ بِكَسْرِ الشِّين وَالْخَاء الْمُعْجَمَتَيْنِ.
قَوْله: (سُبُّوح قُدُّوس) هُمَا بِضَمِّ السِّين وَالْقَاف وَبِفَتْحِهِمَا وَالضَّمّ أَفْصَح وَأَكْثَر.
قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي فَصْل (ذرح): كَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولهُمَا بِالْفَتْحِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي فَصْل (سبح): سُبُّوح مِنْ صِفَات اللَّه تَعَالَى قَالَ ثَعْلَب: كُلّ اِسْم عَلَى فَعُول فَهُوَ مَفْتُوح الْأَوَّل إِلَّا السُّبُّوح وَالْقُدُّوس فَإِنَّ الضَّمّ فيهمَا أَكْثَر، وَكَذَلِكَ (الذَّرُّوح) وَهِيَ دُوَيْبَّة حَمْرَاء مُنَقَّطَة بِسَوَادٍ تَطِير، وَهِيَ مِنْ ذَوَات السَّمُوم، وَقَالَ اِبْن فَارِس وَالزُّبَيْدِيّ وَغَيْرهمَا: سُبُّوح هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فَالْمُرَاد بِالسُّبُّوحِ الْقُدُّوس الْمُسَبَّح الْمُقَدَّس، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مُسَبَّح مُقَدَّس رَبّ الْمَلَائِكَة وَالرُّوح. وَمَعْنَى (سُبُّوح) الْمُبَرَّأ مِنْ النَّقَائِض وَالشَّرِيك وَكُلّ مَا لَا يَلِيق بِالْإِلَهِيَّةِ، (وَقُدُّوس) الْمُطَهَّر مِنْ كُلّ مَا لَا يَلِيق بِالْخَالِقِ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: قِيلَ: الْقُدُّوس الْمُبَارَك قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَقِيلَ فيه سُبُّوحًا قُدُّوسًا عَلَى تَقْدِير أُسَبِّح سُبُّوحًا أَوْ أَذْكُر أَوْ أُعَظِّم أَوْ أَعْبُد.
وَقَوْله (رَبّ الْمَلَائِكَة وَالرُّوح) قِيلَ: الرُّوح مَلَك عَظِيم، وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون جِبْرِيل عَلَيْهِ الصِّلَام وَقِيلَ خَلْق لَا تَرَاهُمْ الْمَلَائِكَة كَمَا لَا نَرَى نَحْنُ الْمَلَائِكَة. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم.

.باب فَضْلِ السُّجُودِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ:

753- فيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُود لِلَّهِ فَإِنَّك لَا تَسْجُد لِلَّهِ سَجْدَة إِلَّا رَفَعَك اللَّه بِهَا دَرَجَة وَحَطَّ عَنْك بِهَا خَطِيئَة» وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: «أَسْأَلك مُرَافَقَتك فِي الْجَنَّة قَالَ: أَوَغَيْر ذَلِكَ. قَالَ: هُوَ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسك بِكَثْرَةِ السُّجُود». فيه الْحَثّ عَلَى كَثْرَة السُّجُود، وَالتَّرْغِيب، وَالْمُرَاد بِهِ السُّجُود فِي الصَّلَاة، وَفيه دَلِيل لِمَنْ يَقُول تَكْثِير السُّجُود أَفْضَل مِنْ إِطَالَة الْقِيَام، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَة وَالْخِلَاف فيها فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا، وَسَبَب الْحَثّ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث الْمَاضِي: «أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد» وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وَلِأَنَّ السُّجُود غَايَة التَّوَاضُع وَالْعُبُودِيَّة لِلَّهِ تَعَالَى، وَفيه تَمْكِين أَعَزِّ أَعْضَاء الْإِنْسَان وَأَعْلَاهَا وَهُوَ وَجْهه مِنْ التُّرَاب الَّذِي يُدَاس وَيُمْتَهَن. وَاَللَّه أَعْلَم.
754- وَقَوْله: (أَوَغَيْر ذَلِكَ؟) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو.

.باب أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ وَعَقْصِ الرَّأْسِ فِي الصَّلاَةِ:

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُد عَلَى سَبْعَة أَعْظُم الْجَبْهَة وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفه، وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَأَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِت الثِّيَاب وَلَا الشَّعْر» وَفِي رِوَايَة: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُد عَلَى سَبْع، وَلَا أَكْفِت الشَّعْر وَلَا الثِّيَاب، الْجَبْهَة وَالْأَنْف وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس: «أُمِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْجُد عَلَى سَبْعَة وَنَهْي أَنْ يَكِفّ شَعْره أَوْ ثِيَابه» وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: «أَنَّهُ رَأَى عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث يُصَلِّي وَرَأْسه مَعْقُوص مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ فَجَعَلَ يَحِلّهُ، فَلَمَّا اِنْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ: مَا لَك وَلِرَأْسِي فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّمَا مَثَل هَذَا مَثَل الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوف» هَذِهِ الْأَحَادِيث فيها فَوَائِد مِنْهَا أَنَّ أَعْضَاء السُّجُود سَبْعَة، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّاجِدِ أَنْ يَسْجُد عَلَيْهَا كُلّهَا، وَأَنْ يَسْجُد عَلَى الْجَبْهَة وَالْأَنْف جَمِيعًا، فَأَمَّا الْجَبْهَة فَيَجِب وَضْعهَا مَكْشُوفَة عَلَى الْأَرْض وَيَكْفِي بَعْضهَا، وَالْأَنْف مُسْتَحَبّ، فَلَوْ تَرَكَهُ جَازَ، وَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْجَبْهَة لَمْ يَجُزْ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَابْن الْقَاسِم مِنْ أَصْحَاب مَالِك: لَهُ أَنْ يَقْتَصِر عَلَى أَيّهمَا شَاءَ، وَقَالَ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَابْن حَبِيب مِنْ أَصْحَاب مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: يَجِب أَنْ يَسْجُد عَلَى الْجَبْهَة وَالْأَنْف جَمِيعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيث، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمَا فِي حُكْم عُضْو وَاحِد لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيث: سَبْعَة فَإِنْ جَعَلَا عُضْوَيْنِ صَارَتْ ثَمَانِيَة، وَذَكَرَ الْأَنْف اِسْتِحْبَابًا.
وَأَمَّا الْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَهَلْ يَجِب السُّجُود عَلَيْهِمَا فيه قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: أَحَدهمَا لَا يَجِب لَكِنْ يُسْتَحَبّ اِسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا، وَالثَّانِي يَجِب وَهُوَ الْأَصَحّ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، فَلَوْ أَخَلَّ بِعُضْوٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحّ صَلَاته. وَإِذَا أَوْجَبْنَاهُ لَمْ يَجِب كَشْف الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَفِي الْكَفَّيْنِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَحَدهمَا يَجِب كَشْفهمَا كَالْجَبْهَةِ وَأَصَحّهمَا لَا يَجِب.
758- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبْعَة أَعْظُم» أَيْ أَعْضَاء فَسَمَّى كُلّ عُضْو عَظْمًا، وَإِنْ كَانَ فيه عِظَام كَثِيرَة.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا نَكْفِت الثِّيَاب وَلَا الشَّعْر» هُوَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْفَاء أَيْ لَا نَضُمّهَا وَلَا نَجْمَعهَا، وَالْكَفْت الْجَمْع وَالضَّمّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا} أَيْ نَجْمَع النَّاس فِي حَيَاتهمْ وَمَوْتهمْ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْكَفّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى، وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «وَرَأْسه مَعْقُوص» اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى النَّهْي عَنْ الصَّلَاة، وَثَوْبه مُشَمَّر أَوْ كُمّه أَوْ نَحْوه، أَوْ رَأْسه مَعْقُوص أَوْ مَرْدُود شَعْره تَحْت عِمَامَته أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَكُلّ هَذَا مَنْهِيّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَهُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه فَلَوْ صَلَّى كَذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَحَّتْ صَلَاته، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر الْإِعَادَة فيه عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، ثُمَّ مَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّ النَّهْي مُطْلَقًا لِمَنْ صَلَّى كَذَلِكَ سَوَاء تَعَمَّدَهُ لِلصَّلَاةِ أَمْ كَانَ قَبْلهَا كَذَلِكَ لَا لَهَا بَلْ لِمَعْنًى آخَر، وَقَالَ الدَّاوُدِيّ يَخْتَصّ النَّهْي بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ، وَالْمُخْتَار الصَّحِيح هُوَ الْأَوَّل، وَهُوَ ظَاهِر الْمَنْقُول عَنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ فِعْل اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور هُنَا.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْحِكْمَة فِي النَّهْي عَنْهُ أَنَّ الشَّعْر يَسْجُد مَعَهُ، وَلِهَذَا مَثَّلَهُ بِاَلَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوف.
761- قَوْله: «عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ رَأَى اِبْن الْحَارِث يُصَلِّي وَرَأْسه مَعْقُوص فَقَامَ فَجَعَلَ يَحِلّهُ» فيه الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَخَّر، لَمْ يُؤَخِّرهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا حَتَّى يَفْرُغ مِنْ الصَّلَاة، وَأَنَّ الْمَكْرُوه يُنْكَر كَمَا يُنْكَر الْمُحَرَّم، وَأَنَّ مَنْ رَأَى مُنْكَرًا وَأَمْكَنَهُ تَغْيِيره بِيَدِهِ غَيَّرَهُ بِهَا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ، وَأَنَّ خَبَر الْوَاحِد مَقْبُول. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الاِعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ وَوَضْعِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الأَرْضِ وَرَفْعِ الْمِرْفَقَيْنِ عَنِ الْجَنْبَيْنِ وَرَفْعِ الْبَطْنِ عَنِ الْفَخِذَيْنِ فِي السُّجُودِ:

مَقْصُود أَحَادِيث الْبَاب أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّاجِدِ أَنْ يَضَع كَفيه عَلَى الْأَرْض، وَيَرْفَع مِرْفَقَيْهِ عَنْ الْأَرْض وَعَنْ جَنْبَيْهِ رَفْعًا بَلِيغًا بِحَيْثُ يَظْهَر بَاطِن إِبْطَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا، وَهَذَا أَدَب مُتَّفَق عَلَى اِسْتِحْبَابه فَلَوْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا مُرْتَكِبًا وَالنَّهْي لِلتَّنْزِيهِ. وَصَلَاته صَحِيحَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْحِكْمَة فِي هَذَا أَنَّهُ أَشْبَه بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغ فِي تَمْكِين الْجَبْهَة وَالْأَنْف مِنْ الْأَرْض، وَأَبْعَد مِنْ هَيْئَات الْكَسَالَى فَإِنَّ الْمُتَبَسِّط كَشَبَهِ الْكَلْب، وَيُشْعِر حَاله بِالتَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ، وَقِلَّة الِاعْتِنَاء بِهَا وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَفيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يَبْسُط أَحَدكُمْ ذِرَاعَيْهِ اِنْبِسَاط الْكَلْب» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «وَلَا يَتَبَسَّط» بِزِيَادَةِ التَّاء الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق اِنْبِسَاط الْكَلْب هَذَانِ اللَّفْظَانِ صَحِيحَانِ وَتَقْدِيره وَلَا يَبْسُط ذِرَاعَيْهِ فَيَنْبَسِط اِنْبِسَاط الْكَلْب، وَكَذَا اللَّفْظ الْآخَر وَلَا يَتَبَسَّط ذِرَاعَيْهِ فَيَنْبَسِط اِنْبِسَاط الْكَلْب، وَمِثْله قَوْل اللَّه تَعَالَى: {وَاَللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا} وَقَوْله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَن وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} وَفِي هَذِهِ الْآيَة الثَّانِيَة شَاهِدَانِ، وَمَعْنَى (يَتَبَسَّط) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق أَيْ يَتَّخِذهُمَا بِسَاطًا. وَاَللَّه أَعْلَم.
762- سبق شرحه بالباب.
763- قَوْله: (عَنْ إِيَاد) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت.

.باب مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلاَةِ وَمَا يُفْتَتَحُ بِهِ وَيُخْتَمُ بِهِ وَصِفَةَ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ وَالاِعْتِدَالِ مِنْهُ وَالتَّشَهُّدِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَصِفَةَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ:

764- قَوْله: (عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَالِك ابْن بُحَيْنَة) الصَّوَاب فيه أَنْ يُنَوِّن مَالِك وَيَكْتُب (اِبْن) بِالْأَلِفِ لِأَنَّ اِبْن بُحَيْنَة لَيْسَ صِفَة لِمَالِك بَلْ صِفَة لِعَبْدِ اللَّه لِأَنَّ عَبْد اللَّه اِسْم أَبِيهِ مَالِك وَاسْم أُمّ عَبْد اللَّه (بُحَيْنَة) فَبُحَيْنَة اِمْرَأَة مَالِك وَأُمّ عَبْد اللَّه بْن مَالِك.
قَوْله: (فَرَّجَ بَيْن يَدَيْهِ) يَعْنِي بَيْن يَدَيْهِ وَجَنْبَيْهِ.
قَوْله: (يُجَنِّح فِي سُجُوده) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْجِيم وَكَسْر النُّون الْمُشَدَّدَة، وَهُوَ مَعْنَى فَرَّجَ بَيْن يَدَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (خَوَّى بِيَدَيْهِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْوَاو وَفَرَّجَ وَجَنَّحَ وَخَوَّى بِمَعْنًى وَاحِد وَمَعْنَاهُ كُلّه بَاعَدَ مِرْفَقَيْهِ وَعَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ.
قَوْله: (يُجَنِّح فِي سُجُوده حَتَّى نَرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ) هُوَ بِالنُّونِ فِي (نَرَى)، وَرُوِيَ (بِالْيَاءِ) الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت الْمَضْمُومَة، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَيُؤَيِّد الْيَاء الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْ مَيْمُونَة (إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ حَتَّى يُرَى وَضَح إِبْطَيْهِ) ضَبَطْنَاهُ وَضَبَطُوهُ هُنَا بِضَمِّ الْيَاء، وَيُؤَيِّد النُّون رِوَايَة اللَّيْث فِي هَذَا الطَّرِيق (حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ).
765- قَوْله: (لَوْ شَاءَتْ بُهْمَة أَنْ تَمُرّ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة الْبُهْمَة وَاحِدَة الْبُهْم وَهِيَ أَوْلَاد الْغَنَم مِنْ الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَجَمْع الْبُهْم بِهَام بِكَسْرِ الْبَاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: الْبُهْمَة مِنْ أَوْلَاد الضَّأْن خَاصَّة، وَيُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى، قَالَ: وَالسِّخَال أَوْلَاد الْمِعْزَى.
قَوْله: (أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَصَمّ عَنْ عَمّه يَزِيد بْن الْأَصَمّ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (أَخْبَرَنَا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن الْأَصَمّ عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول (عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه) بِتَصْغِيرِ الْأَوَّل فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا (عَبْد اللَّه) مُكَبَّرًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي أَكْثَرهَا بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى وَالتَّصْغِير فِي الثَّانِيَة، وَكُلّه صَحِيح، فَعَبْد اللَّه وَعُبَيْد اللَّه أَخَوَانِ، وَهُمَا اِبْنَا عَبْد اللَّه بْن الْأَصَمّ، وَعَبْد اللَّه بِالتَّكْبِيرِ أَكْبَر مِنْ عُبَيْد اللَّه، وَكِلَاهُمَا رَوَيَا عَنْ عَمّه يَزِيد بْن الْأَصَمّ، وَهَذَا مَشْهُور فِي كُتُب أَسْمَاء الرِّجَال، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ خَلَف الْوَاسِطِيُّ فِي كِتَابه أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَبْد اللَّه بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ فِي سُنَنهمَا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا رِوَايَة الْفَزَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي سُنَن النَّسَائِيِّ اِخْتِلَاف فِي الرِّوَايَة عَنْ النَّسَائِيِّ، بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَبَعْضهمْ بِالتَّصْغِيرِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَن الْكَبِير مِنْ رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ بِالتَّصْغِيرِ، وَمَنْ رِوَايَة الْفَزَارِيِّ بِالتَّكْبِيرِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
766- قَوْله: (حَتَّى يُرَى وَضَح إِبْطَيْهِ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد أَيْ بَيَاضهمَا.
قَوْله: (وَإِذَا قَعَدَ اِطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذه الْيُسْرَى) يَعْنِي إِذَا قَعَدَ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ أَوْ فِي التَّشَهُّد الْأَوَّل.
وَأَمَّا الْقُعُود فِي التَّشَهُّد الْأَخِير فَالسُّنَّة فيه التَّوَرُّك كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه مِنْ رِوَايَة أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا.
767- قَوْله: (جَعْفَر بْن بُرْقَان) بِضَمِّ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَاَللَّه أَعْلَم.
768- فيه أَبُو الْجَوْزَاء عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَوْله: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشَخِّص رَأْسه وَلَمْ يُصَوِّبهُ، وَلَكِنْ بَيْن ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع لَمْ يَسْجُد حَتَّى يَسْتَوِي قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ السَّجْدَة لَمْ يَسْجُد حَتَّى يَسْتَوِي جَالِسًا، وَكَانَ يَقُول فِي كُلّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة، وَكَانَ يَفْرِش رِجْله الْيُسْرَى وَيَنْصِب رِجْله الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَة الشَّيْطَان، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِش الرَّجُل ذِرَاعَيْهِ اِفْتِرَاش السَّبُع، وَكَانَ يَخْتِم الصَّلَاة بِالتَّسْلِيمِ» وَفِي رِوَايَة: «يَنْهَى عَنْ عَقِب الشَّيْطَان».
(أَبُو الْجَوْزَاء) بِالْجِيمِ وَالزَّاي وَاسْمه أَوْس بْن عَبْد اللَّه الْبَصْرِيّ.
قَوْلهَا (وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) هُوَ بِرَفْعِ الدَّال عَلَى الْحِكَايَة.
قَوْلهَا: (وَلَمْ يُصَوِّبهُ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْوَاو الْمُشَدَّدَة أَيْ لَمْ يَخْفِضهُ خَفْضًا بَلِيغًا بَلْ يَعْدِل فيه بَيْن الْإِشْخَاص وَالتَّصْوِيب قَوْلهَا: (وَكَانَ يَفْرُش) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْرهَا وَالضَّمّ أَشْهَر.
قَوْلهَا: (عُقْبَة الشَّيْطَان) بِضَمِّ الْعَيْن، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (عَقِب الشَّيْطَان) بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْقَاف هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فيه، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ بِضَمِّ الْعَيْن، وَضَعَّفَهُ وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيْره بِالْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يُلْصِق أَلْيَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِب سَاقَيْهِ وَيَضَع يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض كَمَا يَفْرِش الْكَلْب وَغَيْره مِنْ السِّبَاع.
أَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَقَوْلهَا: «كَانَ يَفْتَتِح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ» فيه إِثْبَات التَّكْبِير فِي أَوَّل الصَّلَاة، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّن لَفْظ التَّكْبِير لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلهُ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْيِين التَّكْبِير هُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: يَقُوم غَيْره مِنْ أَلْفَاظ التَّعْظِيم مَقَامه. وَقَوْلهَا: (وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَالِك وَغَيْره مِمَّنْ يَقُول إِنَّ الْبَسْمَلَة لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَة، وَجَوَاب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَالْأَكْثَرِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَة أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ يَبْتَدِئ الْقُرْآن بِسُورَةِ (الْحَمْد اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ) لَا بِسُورَةٍ أُخْرَى، فَالْمُرَاد بَيَان السُّورَة الَّتِي يُبْتَدَأ بِهَا، وَقَدْ قَامَتْ الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَة مِنْهَا. وَفيه أَنَّ السُّنَّة لِلرَّاكِعِ أَنْ يُسَوِّي ظَهْره بِحَيْثُ يَسْتَوِي رَأْسه وَمُؤَخَّره، وَفيه وُجُوب الِاعْتِدَال إِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوع، أَنَّهُ يَجِب أَنْ يَسْتَوِي قَائِمًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَفيه وُجُوب الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلهَا: «وَكَانَ يَقُول فِي كُلّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة» فيه حُجَّة لِأَحْمَد بْن حَنْبَل وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث أَنَّ التَّشَهُّد الْأَوَّل وَالْأَخِير وَاجِبَانِ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْأَكْثَرُونَ: هُمَا سُنَّتَانِ لَيْسَا وَاجِبَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْأَوَّل سُنَّة وَالثَّانِي وَاجِب، وَاحْتَجَّ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهَذَا الْحَدِيث مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَبِقَوْلِهِ: كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّات» وَالْأَمْر لِلْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ التَّشَهُّد الْأَوَّل وَجَبَرَهُ بِسُجُودِ السَّهْو، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَصِحّ جَبْره كَالرُّكُوعِ وَغَيْره مِنْ الْأَرْكَان. قَالُوا: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَوَّل فَالْأَخِير بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمهُ الْأَعْرَابِيّ حِين عَلَّمَهُ فُرُوض الصَّلَاة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْلهَا: «وَكَانَ يَفْرِش رِجْله الْيُسْرَى وَيَنْصِب رِجْله الْيُمْنَى» مَعْنَاهُ يَجْلِس مُفْتَرِشًا فيه حُجَّة لِأَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الْجُلُوس فِي الصَّلَاة يَكُون مُفْتَرِشًا سَوَاء فيه جَمِيع الْجِلْسَات، وَعِنْد مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى يُسَنّ مُتَوَرِّكًا بِأَنْ يُخْرِج رِجْله الْيُسْرَى مِنْ تَحْته وَيُفْضِي بِوَرِكِهِ إِلَى الْأَرْض، وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: السُّنَّة أَنْ يَجْلِس كُلّ الْجِلْسَات مُفْتَرِشًا إِلَّا الَّتِي يَعْقُبهَا السَّلَام، وَالْجِلْسَات عِنْد الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه أَرْبَع: الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَجِلْسَة الِاسْتِرَاحَة عَقِب كُلّ رَكْعَة يَعْقُبهَا قِيَام، وَالْجِلْسَة لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّل، وَالْجِلْسَة لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِير، فَالْجَمِيع يُسَنّ مُفْتَرِشًا إِلَّا الْأَخِيرَة، فَلَوْ كَانَ مَسْبُوقًا وَجَلَسَ إِمَامه فِي آخِر صَلَاته مُتَوَرِّكًا جَلَسَ الْمَسْبُوق مُفْتَرِشًا لِأَنَّ جُلُوسه لَا يَعْقُبهُ سَلَام، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي سُجُود سَهْو فَالْأَصَحّ أَنَّهُ يَجْلِس مُفْتَرِشًا فِي التَّشَهُّد، فَإِذَا سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْو تَوَرَّكَ ثُمَّ سَلَّمَ. هَذَا تَفْصِيل مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِإِطْلَاقِ حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا هَذَا، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَفيه تَصْرِيح بِالِافْتِرَاشِ فِي الْجُلُوس الْأَوَّل، وَالتَّوَرُّك فِي آخِر الصَّلَاة، وَحُمِلَ حَدِيث عَائِشَة هَذَا عَلَى الْجُلُوس فِي غَيْر التَّشَهُّد الْأَخِير لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَحَادِيث. وَجُلُوس الْمَرْأَة كَجُلُوسِ الرَّجُل، وَصَلَاة النَّفْل كَصَلَاةِ الْفَرْض فِي الْجُلُوس. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى وَالْجُمْهُور، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّ سُنَّة الْمَرْأَة التَّرَبُّع، وَعَنْ بَعْضهمْ التَّرَبُّع فِي النَّافِلَة، وَالصَّوَاب الْأَوَّل ثُمَّ هَذِهِ الْهَيْئَة مُسْتَوِيَة فَلَوْ جَلَسَ فِي الْجَمِيع مُفْتَرِشًا أَوْ مُتَوَرِّكًا أَوْ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُقْعِيًا أَوْ مَادًّا رِجْلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاته وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا.
قَوْلهَا: «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَة الشَّيْطَان» هُوَ الْإِقْعَاء الَّذِي فَسَّرْنَاهُ وَهُوَ مَكْرُوه بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء بِهَذَا التَّفْسِير الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْإِقْعَاء الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُنَّة فَهُوَ غَيْر هَذَا كَمَا سَنُفَسِّرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْلهَا: «وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِش الرَّجُل ذِرَاعَيْهِ اِفْتِرَاش السَّبُع» سَبَقَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب قَبْله.
قَوْلهَا: «وَكَانَ يَخْتِم الصَّلَاة بِالتَّسْلِيمِ» فيه دَلِيل عَلَى وُجُوب التَّسْلِيم فَإِنَّهُ ثَبَتَ هَذَا مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فيه، فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَجُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: السَّلَام فَرْض وَلَا تَصِحّ الصَّلَاة إِلَّا بِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ: هُوَ سُنَّة لَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاته.
قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: لَوْ فَعَلَ مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ مِنْ حَدَث أَوْ غَيْره فِي آخِرهَا صَحَّتْ صَلَاته، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمهُ الْأَعْرَابِيَّ فِي وَاجِبَات الصَّلَاة حِين عَلَّمَهُ وَاجِبَات الصَّلَاة، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَبِالْحَدِيثِ الْآخَر فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ: «مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم» وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَالْجُمْهُور أَنَّ الْمَشْرُوع تَسْلِيمَتَانِ. وَمَذْهَب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى طَائِفَة الْمَشْرُوع تَسْلِيمَة، وَهُوَ قَوْل ضَعِيف عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَمَنْ قَالَ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَة فَهِيَ عِنْده سُنَّة، وَشَذَّ بَعْض الظَّاهِرِيَّة وَالْمَالِكِيَّة فَأَوْجَبَهَا وَهُوَ ضَعِيف مُخَالِف لِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله. وَاَللَّه أَعْلَم.